ليس هناك أدل على فقدان حكومة عباس الفاسي للبوصلة من التخبط الذي يعتري تصريحات الناطق باسمها ووزير الاتصال فيها. فبذل الاعتذار للشعب المغربي باسم الحكومة على استمرار الإعلام الرسمي في الاستخفاف بمشاعر المغاربة في التعاطي مع قضاياهم الحساسة، أشهر الوزير في وجه نواب في البرلمان ورقة اللجوء إلى القضاء، لماذا؟ لأن برلمانيا تجرأ، الأربعاء الماضي، وآخذ على القناتين الممولتين من عرق جبين المغاربة الكادحين عدم مواكبتهما لحدث حريق معمل ليساسفا بالبيضاء إسوة بقنوات أجنبية وبث، بذل ذلك، سهرة غنائية ، والحدث كما هو معلوم هلك فيه أكثر من 56 عاملة وعامل حرقا. ورغم أن هذه الملاحظة سبق وأثارتها عدة منابر إعلامية من ضمنها منابر تنتمي لنفس توجه الوزير الأيديولوجي والسياسي، لكن الوزير ، لسان حكومتنا الموقرة، اعتبر طرح السؤال استغلالا سياسيا ضيقا وأجاب بأن القناتين غطيتا الحادث المروع بطريقة جيدة ومكتملة وأن الإعلام المغربي الرسمي يقوم بواجبه خير قيام؟ وبالطبع فإعلامنا الرسمي لن تزين صورته شهادة الوزير كما لن تثنيه مآخذات البرلماني على الاستمرار في دفن رأسه في التراب. لكن تعقيب برلمانية شبهت فعلة الإعلام الرسمي ب''الرقص على جراح المغاربة''، أثار ''غضب الوزير'' الذي اعتبر بدوره السؤال متاجرة بآلام المغاربة وتوعد بضرورة تدخل القضاء في مثل هذه الأسئلة التي وصفها بالسياسوية. القضاء، الذي انخرط الوزير في أكثر من مناسبة في التطاول عليه، يرفعه اليوم فزاعة حمراء في وجه سؤال مؤلم تحت قبة البرلمان. الوزير الذي تكلم كثيرا في ملف ما سمي ب''ملف بلعيرج''، قبل أن يقول فيه القضاء كلمته وأثار انتقادات الإعلاميين والحقوقيين والخبراء، وصمت حين فر ''تسعة رهط'' من أخطر السجناء مبررا صمته بالخوف من أن يؤاخذ مرة أخرى بالتطاول على القضاء، هو نفسه اليوم من يهدد بتدخل القضاء لفك نزاعات الحكومة والمعارضة في البرلمان. وربما أظهر ما أصبحت تلعبه أحكام القضاء القاسية من دور في التحكم في حرية التعبير على مستوى الصحافة نجاعة يمكن اعتمادها في تدبير أسئلة المعارضة في البرلمان. و لنفرض أن حكومتنا، حتى يتسنى لها رفع حرج الأسئلة باللجوء إلى القضاء، طرحت مشروع '' المحكمان'' أي محكمة خاصة في البرلمان، فسيكون ذلك مناسبة مهمة لمعالجة حالة اللا حساب واللاعقاب في علاقة الحكومة بمؤسسة تمثل الشعب، وسيكون على المعارضة، وقياسا على موقف الوزير، أن تعالج تبلد حس الحكومة باللجوء هي الأخرى إلى القضاء. فترفع دعوة ضد الحكومة حول كذبها المستمر على الشعب بناء على مقارنة برامجها مع إنجازاتها. ودعوة حول الاستخفاف بالشعب ومؤسسات الدولة في بث وهم الحركية والاهتمام بعد كل فاجعة ليستحيل كل شيء إلى لا شيء تقريبا. وشهود هذه الفواجع هم ضحايا زلزال الحسيمة وضحايا البرد والجوع بأنفوكو وضحايا عمارة القنيطرة وضحايا سخانات الماء المستوردة التي ذهب ضحيتها، بالتقسيط، أكثر من 60 مواطنا، وضحايا حوادث الطرق التي يعتبر السكر أهم العوامل المسببة فيها، وضحايا التنصير المتنامي في المغرب... ثم دعوة في سوء الأدب وموت الضمير وتتعلق بتهمة عدم تفكير الوزراء، الذين تحل الكوارث بسبب سوء التدبير في قطاعاتهم، في طلب الاستعفاء من مسؤولياتهم كحد أدنى، نظرا لعجزهم المتفهم عن الاستقالة منها.
وفي الأخير، وما دمنا في الحديث عن ''المحكمان'' نطرح السؤال: هل هناك جرم سياسي أكبر من حالة ''الإصرار على الكراسي رغم المآسي''؟
_________________
un jeune homme prof de meknes merci